ايام الخليقة السبعة – الجزء الثالث


ايام الخليقة السبعة – الجزء الثالث

ايام الخليقة السبعة – الجزء الثالث

في المقال السّابق من سلسلة ايام الخليقة السبعة ، تطرقنا لاستعمال أسلوب الاستعارة في الكتاب المقدس بمواضع مختلفة، كما نستعمله نحن أيضًا في حياتنا اليوميّة. وتعلّمنا أيضًا عن أنّه في الكثير من المواضع، يستعمل الكتاب لغة ظاهريّة- منطقيّة phenomenological language، التي بدورها تصف ما يراه المشاهد. أخيرًا، نذكِّر أنّه بالرّغم من استعمال الكتاب النقدس للإستعارة، إلّا أنّه من الممكن أن يقصد الكتاب معنًى حقيقيًّا لشيءٍ أعمق، فقد قال المسيح: “أَنَا هُوَ ٱلْبَابُ” (يوحنّا 9:10) عندما قصد أنّه الطّريق للوصول إلى الله الآب – الحقيقي بالفعل.
في هذا الجزء من سلسلة المقالات هذه، سنتطرَّق أخيرًا إلى قصّة الخلق، وسنطبِّق ما تعلّمناه من المقال السّابق لنزيل عدم الوضوح المخيِّم فوقها، وإن وُجِدَ.

أيّام الخليقة – نظرة تاريخيّة

عبر التّاريخ، اعتقد الكثيرون بأنّه يمكن فهم أسبوع الخليقة المذكور في الإصحاح الأوّل من سفر تكوين على أنّه أسبوعٌ يحتوي على أيّامٍ مدّتها 24 ساعة. فاليهود، مثلًا، فسّروا أسبوع الخليقة بهذا الشّكل، واتّخذوه كنقطة بداية لتقويمهم اليهودي (سنة 2010 م هي السّنة 5770 من أسبوع الخليقة، على سبيل المثال).
لقد تبنّى كلٌّ من المصلحين جون كالفين ومارتن لوثر أيضًا هذا التفسير. فقد كتب كالفين 1 بأنّ الله خلق الكون “في فترة مدّتها ستّة أيّامٍ”.
من جهة أخرى، لم يكن هذا رأي جميع المؤمنين المسيحيين في السّابق، فقد اعتقد جاستين مارتير، أحد آباء الكنيسة الأوائل، بأنّ أيّام الخليقة قد تكون أطول بكثير من 24 ساعة، معتمدًا على الآيات: فَإِنَّ أَلْفَ سَنَةٍ فِي عَيْنَيْكَ كَيَوْمِ أَمْسِ الْعَابِرِ، أَوْ مِثْلُ هَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ (المزامير 4:90). وَلَكِنْ لَا يَخْفَ عَلَيْكُمْ هَذَا ٱلشَّيْءُ ٱلْوَاحِدُ أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ: أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ ٱلرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ (2 بطرس 8:3). وأخيرًا نذكُر أيضًا الفيلسوف المسيحي أوغسطينوس من القرن الرّابع ميلادي، حيث كان قد كتب  2 بأنّنا: “نَعلَم أنّ يومًا في أسبوع الخليقة يختلف عن يومنا العادي”.

تفسيرات مختلفة لنصٍّ واحدٍ

هنالك حوالي 15 تفسيرًا مختلفًا للإصحاح الأوّل، لكن، وبحسب J. P. Moreland و John Mark Reynolds 3 جميعها تقع تحت ثلاثة تيّارات أكبر تتلخّص فيما يلي:

  1. يوم مدّته 24 ساعة: أيّام أسبوع الخليقة هي أيّام أسبوعنا العاديّة، مدّة كلّ منها 24 ساعة. عمر الأرض، لذلك، هو أقلّ من 10،000 سنة.
  2. يوم يصف فترة زمنيّة غير محدّدة: ترتيب الأيّام هو زمني متتالي، كلّ منهم يمثّل فترة زمنيّة غير محدّدة (مدّة طويلة جدًّا). عمر الكون، بحسب هذا التّوجّه، هو 13.7 مليار سنة.
  3. أيّام ذات تسلسل منطقي: يقسم هذا التوجّه أسبوع الخليقة (تحديدًا أوّل ستّة أيّام) إلى نصفين: أوّل ثلاثة أيّام، فيها خلق الله هياكل معيّنة، وثاني ثلاثة أيّام، فيها ملأ الله هذه الهياكل. نوضِّح أكثر: الأيّام الثّلاث الأولى تناظرها الأيّام الثّلاث الثّانية. في اليوم الأوّل خلق الله النّور، وفي اليوم الرّابع (المناظر لليوم الأوّل) خلق الله أنوار السّماء (الشّمس والقمر والنّجوم والخ). في اليوم الثّاني خلق الله السّماء وفصل بين البحار، أمّا في اليوم الخامس (المناظر لليوم الثّاني) خلق الله المخلوقات الّتي ملأت ما صنع في اليوم الثّاني، تحديدًا، السّماء والبحار. في اليوم الثّالث جمّع الله المياه لكي تظهر اليابسة وجعل اليابسة تنبت وتنتج عشبًا وشجرًا، أمّا في اليوم السّادس (المناظر لليوم الثّالث) ملأ الله الأرض الّتي بيّنها في اليوم الثّالث بالدّواب والحيوانات، وطبعًا، خلق الله الإنسان في هذا اليوم على صورته.

التّوجُّهان الأوّل والثّاني مفهومان وواضحان، حيث يمثّل التوجّه الأوّل النّظرة الّتي ترفض الرّأي المتبنّى من قبل غالبيّة العلماء بأنّ عمر الكون هو 13.7 مليار سنة تقريبًا، بعكس التّوجّه الثّاني الذي يتبنّى هذا الفكر ويعتبر الأيّام هذه بأنّها أيّامٌ ذات فترة زمنيّة غير محدّدة. أمّا التوجّه الثّالث ينصّ على أنّ الله في الأيّام الثّلاث الأولى خلق هياكل معيّنة لكي يملأها في الأيّام الثّلاث التّي تلتها. نلاحظ أنّ هذا التوجّه يعتبر أنّ بداية اليوم الأوّل كانت عند الآية الثّالثة فقط، وليست عند الآية الأولى (سنشرح هذه النّقطة في المقال القادم).

ما نستنتجه من التّوجّهات والتّفسيرات المختلفة هذه، هو أنّ النّص ليس ببسيطٍ للغاية كما تبيّن لنا في البداية؛ فوجود تفسيرات مختلفة لنفس النّص، يعني وجود تعقيدًا معيّنًا فيه.
لكن لكي نفهم النّص بشكل أوضح، دعونا ننظر بشكل أدقّ ونحاول أن نطبِّق ما تعلّمناه من قصّة “دوران الأرض”، ألا وأن نحاول فهم الكلمات بشكل أوضح وليس بشكل حرفي.

إختلافات بين أسبوع الخليقة وأسبوعنا المُتَكَرِّر

من الواضح أنّ كلّ من يقرأ هذا الإصحاح، يتذكّر دائرة زمنيّة معيّنة، ألا وهي أسبوع عمل الإنسان. ففي سفر الخروج 11:20-8 قال الله لشعبه: ” اُذْكُرْ يَوْمَ ٱلسَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. ٩ سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، ١٠ وَأَمَّا ٱلْيَوْمُ ٱلسَّابِعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلَهِكَ. لَا تَصْنَعْ عَمَلًا مَّا أَنْتَ وَٱبْنُكَ وَٱبْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ ٱلَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ. ١١ لِأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ ٱلرَّبُّ ٱلسَّمَاءَ وَٱلْأَرْضَ وَٱلْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَٱسْتَرَاحَ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعِ. لِذَلِكَ بَارَكَ ٱلرَّبُّ يَوْمَ ٱلسَّبْتِ وَقَدَّسَهُ.”
فلا عجبَ، إذًا، أن يستخلص القارئ بأنّ أسبوع الخليقة يبدو مماثلًا لأسبوع عمل الإنسان. لكن نظرة أشدّ دقّة تعلّمنا أنّ هذا التّحليل خاطئ وغير دقيق، ورغم التّشابهات الظّاهريّة، هنالك عدّة إختلافات:

  1. في أيّام أسبوع الله، خلق الله أشياءً لم تكن موجودة من قبل، بينما نحن لا “نخلق” أشياءً كالله. وبالفعل، الفِعِل العبري ברא (خلق) مُستَعمَل في الكتاب المقدّس فقط عندما يكون الله هو الفاعل.
  2. إستراحة الإنسان من عمله ليست كاستراحة الله (الحديث هنا عن اليوم السّابع – Shabbath)؛ فـ “إِنَّهُ لَا يَنْعَسُ وَلَا يَنَامُ” (المزامير 4:121). الحديث في الآية السابقة هو عن الله طبعًا.
  3. أسبوع خليقة الله لم يتكرّر، بينما أسبوع عمل الإنسان قد تكرّر، ولا يزال يتكرّر.

السّؤال إذًا: كيف علينا فهم أيّام الخليقة؟
دعونا نتابع التقدّم معًا ونقترب أكثر إلى الصّورة التي بدت لنا غير واضحة، فنحن على بُعد بضع خطوات من أن تتّضح لنا أخيرًا في المقال الأخير من سلسلة المقالات هذه.

بقلم: بشارة سَكَس

المراجع

  1. في كتابه Commentaries on the first book of Moses، called Genesis (Grand Rapids: Eerdmans، 1948، chap. 1، v. 5، p. 78.) 
  2. في كتابه الشّهير On the Literal Meaning of Genesis  
  3. في كتابهما Three Views of Creation and Evolution