الإلحاد تحت المجهر – هدف الحياة


الإلحاد تحت المجهر - هدف الحياة

الإلحاد تحت المجهر – هدف الحياة

هنالك قصيدة 1 جميلة جدًّا للشاعر الكبير محمود درويش مطلعها: “على هذه الارض ما يستحق الحياة”، وبرّر ذلك بكلمات رائعة ضمّ صداها العديد من جوانب الحياة. تذكرتها وانا أفكر اليوم بموضوع هدف الحياة وتساءلت: ماذا لو لم تتوفّر شروط الحياة المطروحة في شِعره؟ مثلا، ماذا لو لم تكن هنالك هتافاتُ شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين، أو لم يَخَف الطغاةُ من الأغنياتْ؟ أو لو أتت الصين واحتلت فلسطين وأبادت شعوب المنطقة أجمعين. باختصار، لو منحتنا الحياة عكس ما ورد في كل معاني الشعر، ماذا يتبقى لنا؟

الكاتب هـ. ج. ويلس كتب رواية باسم “آلة الزمن”، وفيها يسافر أحدهم إلى المستقبل مجتازًا آلاف السنين، ويرى الكرة الارضية خالية من أي حياة، يقف بوسط الصحراء ولا يسمع إلّا صوت الهواء وهو يحرّك الرمال، مشهد مليء بالقحط، الدمار والموت. فيعود إلى آلته الزمنية ويرجع إلى الحاضر حزينا وهو يعرف أن المستقبل لا يحمل له سوى الفراغ. تُرى هل يختلف وضع هذا المسافر عن وضع الملحد اليوم؟ فكما ذكرنا بمقالات سابقة (معنى الحياة وقيمة الحياة) الأرض وما عليها ستزول، شمسنا ستنطفئ يومًا ما. المستقبل بائس، فما هو الهدف من وراء الحياة بحسب الفكر الإلحادي؟

يحكى عن سيزيف (Sisyphus)، أحد ملوك الأساطير اليونانية، أنه حوكم بعقوبة شديدة بسبب تكبّره وخداعه. وكانت عقوبته أن يدفع صخرة كبيرة إلى أعلى الجبل، فقط ليشاهدها تتدحرج إلى الأسفل وهو مجبرٌ على أن يعيد الكرّة، كل يوم، وإلى الأبد! عمله يضيع سُدًى في كل ساعة، فكيف سيشعر في يوم الغد؟ هل سيتحمس لتحطيم رقمه لقياسي في سرعة توصيل الصخرة للقمة، أو لأي إنجاز آخر؟ بالطبع كلا! والحقيقة هي أن جميع إنجازاتنا نحن البشر ستذهب سُدًى، فلماذا نحن مُصرّون على إنجازها؟

تخيّلوا معي فنّانًا يتأمّل رسمة مُعلّقة على الحائط، وأخذ يحلّل الألوان وضربات الفرشاة والخطوط وراح يستنتج أمورًا عظيمة عن الرسّام والظروف التي عاشها وحتى أنه توصّل إلى تلخيص لمشاعره في تلك اللحظة. إلّا أنّه عرف بعد ذلك أن طفلًا صغيرًا كان قد رسمها بلا تركيز وهو يشاهد أغنية “انا البندورة الحمراء” على قناة الأطفال! أليسَ هذا هو حال الملحد اليوم؟ فهو يحاول أن يجد الهدف من شيء عشوائي وهو نفسه من غير هدف. فكما قال 2 عالم الرياضيات الفريد وايتهيد (Alfred North Whitehead): “العلماء المدفوعون بواسطة هدف إثبات أنّهم هم أنفسهم بلا هدف، يشكلون موضوعًا شيّقًا للدراسة”!

بيرتراند راسل - المصدر: ويكيبيديا

بيرتراند راسل – المصدر: ويكيبيديا

في المنظور المادي الإلحادي وجود الإنسان على الأرض لم يُخطّط له أصلًا فلماذا يعيش؟ الفيلسوف الملحد بيرتراند راسل قال 3 : “الإنسان هو منتوج لمُسببات لم ترَ النهاية التي ستُحققُها. إن أصله، نموه، آماله ومخاوفه، محبته، معتقداته، هم مجرد حصيلة تضارب ذرات عشوائي، وان جميع الأعمال على مر العصور، جميع التأملات، الإيحاءات ولمعات الإنسان العبقرية في الظهيرة، مُعَدّة للانقراض في موت مجموعتنا الشمسية. وأن معبد إنجازات الإنسان سيُقبر حتمًا تحت أنقاض الكون. كل هذه الأمور لا خلاف عليها فهي شبه مُثبتة حتى أنه لا توجد فلسفة جديّة ترفضها”. بالرغم من وضوح حقيقة عبثيّة الحياة بحسب المفهوم الإلحادي، إلّا أنّ تهرّب معظم الملحدين من الإقرار بالأمر لافتٌ للأنظار، فلماذا هذا التهرّب؟

البعض قد يقول إنّ هذا الكلام للضعفاء فقط، وإنّ على كلٍ منّا خلق هدف لحياته والسعي نحوه، إلّا أنه بهذه الجملة يؤكد أن الهدف المُطْلق ليس موجودًا ولذا عليه هو “خلقه”. إن الملحد هنا يخدع نفسه فقط كي لا يواجه الحقيقة المُرّة. صدق الأديب الحائز على جائزة نوبل تشيسلاف ميلوش عندما قال 4 إنّ “أفيون الشعوب الحقيقي هو الإيمان بأنه لا يوجد شيء بعد الموت”. خلق الأهداف هو محاولة ضعيفة أخرى ليس للتهرب من الوقع فحسب، بل للعيش في خيال وحلم به يتباهى الإنسان وكأنه هو من يقرر هدف الحياة. تحضرني هنا قصة الأطفال المعروفة: “ثياب الملك الجديدة”. فبها يحتال الناس على الملك للتباهي بثياب شفافة (أو غير موجودة) تكشف عورته أمام كلّ المملكة، تمامًا كالملحد الذي يتباهى بهدف زائل أو حتى غير موجود، ليكشف داخله فراغًا عميقًا مظلمًا. حقًّا، إن الإلحاد هو أفيون الشعوب الحقيقي إذ يُخدّر أتباعه بماديّات الحياة المؤقتة ويلهيهم عن الأمور الأبدية.

ما هي الاستنارات التي يستطيع مريض يحتضر أن يتعلمها من هذا الفكر المادي اليائس. هل يهمس الإلحاد في أذنه ويقول له: “قم وتشجع من أجل هذا أو ذاك”؟ هذا وذاك فانيان! أو “أتممت السعي؟” أي سعي هذا؟ فهو كان ترابًا وسيصبح ترابًا، مصيره كمصير بقية المخلوقات الترابية! لربما يكون صريحًا ويقول: “آسف، انتهى دورك، لن تحاول مرة أخرى. سأقوم أنا بهدم ما صنعت!”. من يبحث عن أمل في الحياة، لن يجده في الأرض.

نحن لا نقول إنه لا يوجد هدف من حياة الملحد، حاشا! لكننا نتفحص المنظور الإلحادي وليس شخص الملحد نفسه. هل يوجد ما يستحق الحياة حقًّا بالمنظور المادي الإلحادي؟ هل يُعقل أن يكون هدف حياتنا هنا على الارض هو مجرد أن نحيا؟ هل يُمكن أن نجد بُعدًا آخر في شعر محمود درويش؟ أن نرى في الشباب الباسمين روح التضحية النبيلة، ونطالب بالعدل الموضوعي أمام الطغاة ولفلسطين. ماذا عن “أول الحُبّ” الذي ذكره الشاعر، فهناك نرى لهفة الحب وروعته، ولكن ماذا إذا استمر كذلك؟ ماذا لو استمر هذا الحب، لا بل تعاظم وتكمّل حتى بعد الموت؟ ماذا لو انتصر الحُبّ الكامل على الموت وحقق بتضحيته العدل المطلق؟ ألا يستحق العيش، لا بل الموت أيضا من أجله؟


المراجع

  1.   رابط للقصيدة
  2.   The Function of Reason (1929), Beacon Books, 1958, p. 16. 
  3. A Free Man’s Worship, 1903
  4. Milosz, Czeslaw. “Discreet Charm of Nihilism”. The New York Review of Books. Retrieved 4 September 2011