كيف تستطيع الفلسفة أن تخدم الكنيسة


كيف تستطيع الفلسفة أن تخدم الكنيسة
كيف تستطيع الفلسفة أن تخدم الكنيسة

قد يكون لكلمة فلسفة أو فيلسوف صدى سلبيا على بعض الآذان، إذ قد توحي بكثرة الكلام، كلام فارغ أو غير عملي. إلّا أن معنى الكلمة الحرفي مشتق من كلمتين في اليونانية وهم “فيلو” وتعني المحبة و”سوفيا” التي تعني الحكمة، وفسّرها أحدهم قائلا أن الفلسفة هي التفكير العميق والدقيق في موضوع معيّن. الحكيم، كاتب سفر الأمثال يحثّنا على أن نطلب ونبحث عن الفهم والمعرفة والحكمة أكثر من الفضة، الذهب والكنوز وأن تبنّيها في الحياة سيحفظ النفس وينصرها (أمثال ٣: ١-١١). هل يا ترى هناك بعض المجالات المتقاطعة التي تستطيع بها الفلسفة مد يد العون لدعم خدمة الكنيسة؟ ما هي هذه المجالات وكيف تستطيع الفلسفة أن تخدم الكنيسة بها؟

الفلسفة والحق

الفلسفة مهتمة بدراسة الحق، فهم الواقع وما هو موجود. فروع كاملة تشدد على أهمية الحق، تعريفه، كيفية الوصول اليه وتجنّب المغالطات التي تبعدنا عنه. من الجهة الأخرى تكلّم السيّد المسيح كثيرا جدا عن الحق وإحدى أقواله المشهورة هي أنه أتى للعالم ليشهد للحق (يو ١٨: ٣٧)، ومن يستطيع أن ينسى جملته التي تُزيّن العديد من بنايات الجامعات الكبيرة: “وتعرفون الحق والحق يحرركم” (يو ٨: ٣٢). أما تاج ما علّمه المسيح عن الحق هو أنه قال عن نفسه أنه هو بذاته الحق (يو ١٤: ٦)! لا يمكن لأحد أن يتبع المسيح بجديّة وأن لا يُقدس الحق، فإن عكس الحق هو الزيف، الكذب، الأمور غير الحقيقية ولربما الوهمية أيضا. نتائج هذه الأمور على الكنيسة وخيمة، فهي تتراوح بين لاهوت غير نظامي مليء بالتناقضات، تعليم غير صحيح وضار وحتى الهرطقات المُميتة!

الفلسفة وعلم المعرفة

إحدى أكبر مجالات الفلسفة هو عِلم المعرفة (Epistemology) والذي يدرس ما هي المعرفة؟ كيف نصل إليها؟ ما الفرق بينها وبين الاعتقاد أو الإيمان؟ ومتى يكون الإيمان مُبرر منطقيًا أو عقلاني؟ وبما أنه هنالك إيمان عقلاني، هذا يعني أن هناك إيمان غير عقلاني أي أن صاحبه غير مُبرر منطقيًا باعتناقه. هنا أيضا أرى مساحة متقاطعة بين تعليم الإنجيل وعلم المعرفة، إذ نرى الرسل يعلنون أن إيمانهم بالمسيح المُقام ليس اتّباعًا لخرافات مصنّعة (2 بط 1: 16)، بل يبرّرونه عن طريق كونهم شهود عيان الذين رأوا، سمعوا، لمسوا (١ يو ١: ١)، وتتبعوا بالتدقيق ما جرى (لو ١: ٣). بالاضافة الى ذلك، كم النقاشات والمحاجّات التي استخدمها السيد المسيح وتلاميذه في محاولة لإقناع الآخرين كبير جدا (يو ٨: ٣٠ – ٤٧، اع ١٨: ٤، اع ١٩: ٨)، ليس ذلك فقط بل شجعوا الناس على فحص العقائد (اع ١٧: ١١) وامتحانها (١ تس ٥: ٢١) كي لا يكونوا محمولين بكل ريح تعليم (افسس ٤: ١٤). إن دلّ ذلك على شيء فهو عدم خوف المؤمنين من المشككين الذين يهدفون أن يجدوا الثغرات في صحة الإيمان ( بهدف الإضعاف من عقلانيته)، بل كان المؤمنون قادرون على الرد والمواجهة وتوضيح الأسباب التي تبرر منطقية الإيمان المسيحي، عقائده وعقلانيته.

الفلسفة والأخلاق

لفلسفة الأخلاق والميتا أخلاق (Metaethics) حصة كبيرة من اهتمامات الفلاسفة، فبعضهم يحاول أن يبحث عن أفضل نظرية أخلاقية، والبعض يحاول الوصول للأساسات الأنطولوجية للأخلاق وآخرون يحاولون ايجاد معضلات أخلاقية لتحدي نظريات معينة. كل مسيحي يؤمن أن السيد المسيح هو أعظم معلم للأخلاق، لكن هل تلاميذه اليوم قادرون على حوار الفلاسفة ونظرياتهم المختلفة؟ أم أنهم انهزموا من الساحة العامة وتركوها بلا شاهد؟ هل يا ترى كان السيد المسيح سيهرب من هذه الحوارات؟ ماذا عن الرسول بولس؟ هل من الأخلاقي أن من يؤمن أن لديه أعظم أخلاق، أن يضعها تحت المكيال أو تحت السرير؟ كلا، بل أعتقد أن هنالك فائدة اذا تشجع المؤمن وتفلسف (أحب وطلب الحكمة).

الفلسفة واللاهوت الطبيعي

موضوع اللاهوت الطبيعي الذي يُعلّم في أغلب مساقات فلسفة الدين هو ذاك المجال الذي يحاول أن يتعلّم عن الله من خلال الطبيعة فقط، أي بدون الاعتماد على إعلان الوحي. في فترات سابقة، شكّك العديد من الفلاسفة بنجاعة الحجج المقترحة لوجود الله وحاولوا أن يطوّروا حججا مُضادة والتي تهدف لدعم الإلحاد (مثل مشكلة الشر ومشكلة اختباء الله). لكن في هذه الأيام نحن نشهد نهضة لللّاهوت الطبيعي في المجال الأكاديمي، مليئة بالزخم والحوارات، والذي وصلت أيضا إلى منصات مواقع التواصل الاجتماعي. مثلا، صدر مؤخرًا فيديو يلخّص أكثر من ١٠٠ حجة أكاديمية لوجود الله وفيديوهات كثيرة أخرى مُبسّطة تشرح الأدلة على وجود الله! وبما أن الكتاب المقدس يدعم هذا التوجه ويعلن أن الخليقة تشهد عن الخالق (مز ١٩: ١، رو ١: ١٩ – ٢٠) تستطيع الكنيسة تسخير هذه المصادر لدعم خدمتها.

بالطبع ليس من الضروري أن ينهي المسيحي لقبا في الفلسفة كي يدعم خدمة الكنيسة، لكن من الجهة الأخرى أزعم أن الاطّلاع على هذه المواضيع مفيد، مثري ومثمر للخدمة داخل وخارج أسوار الكنيسة. يروي لنا الإنجيل تعاملات السيّد المسيح الحكيمة مع تلاميذه، رجال الدين، القادة السياسيين، المشككين، السائلين، المتعبين، المنبوذين، العطشانين، المظلومين، الطغاة وكل الذين من حوله. حوارات المسيح تشعّبت بمجالات مختلفة وقراءتها بتمعّن، متعة. ولك أن تتخيّل كيف ستكون الكنيسة إن أحب أعضائها الحكمة، طلبوها وتبنّوها في حياتهم. بالنسبة لي قمة الفلسفة (محبة الحكمة) تتجلى في الوصية العظمى “تحب الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك” (مر ١٢: ٣٠)، إذ في المسيح مُذخّر جميع كنوز الحكمة (كو ٢: ٣)، وبما أن الوصية الثانية مثلها “تحب قريبك كنفسك”، فأعتقد أن عليّ الإصغاء لقريبي، فهم أفكاره ومحاورته، لعلّ كلانا يقترب أكثر من الحق.

رابط مصدر صورة الفلاسفة
رابط لمصدر صورة الكنيسة